محمد بن محمد ابو شهبة

464

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

هجرة عمر بن الخطاب ، وعيّاش في ركب من المسلمين ثم هاجر الفاروق عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - وكان تواعد هو وعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي على مكان من أضاة بني غفار « 1 » ، وقالوا : أينا لم يصبح فقد حبس ، فليمض صاحباه ، قال عمر : فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند هذا المكان ، وحبس هشام ، وفتن فافتتن . وقد أخرج ابن عساكر وغيره عن علي - رضي اللّه عنه - قال : ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب ، فإنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه ، وتنكّب قوسه ، وأخرج أسهما من كنانته ، وجعلها في يديه ، واختصر عنزته « 2 » ، ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها ، فطاف بالبيت سبعا ، ثم أتى المقام فصلّى ركعتين ، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة فقال لهم : شاهت الوجوه ، لا يرغم اللّه إلا هذه المعاطس « 3 » ، من أراد أن تثكله أمه ، أو يؤتم ولده ، أو ترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ، فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علّمهم ما أرشدهم إليه ، ثم مضى لوجهه ، وقد صحبه في هجرته بعض أهله وقومه . كما صحبه بعض المستضعفين ليحتموا به . وكان في ركب عمر نحو من عشرين راكبا ، منهم : زيد بن الخطاب « 4 » ، وعيّاش بن أبي ربيعة ، وعمرو وعبد اللّه ابنا سراقة بن المعتمر العدوي ،

--> ( 1 ) موضع على عشرة أميال من مكة . ( 2 ) حملها مضمومة إلى خاصرته ، والعنزة : العصا . ( 3 ) شاهت : قبحت . لا يرغم اللّه : لا يلصق بالرغام وهو التراب . إلا هذه المعاطس : الأنوف . ( 4 ) أخو عمر ، وهو أسن منه ، أسلم قبله ، وشهد بدرا والمشاهد ، واستشهد باليمامة وراية المسلمين بيده سنة اثنتي عشرة ، وحزن عليه عمر حزنا شديدا ، وكان يقول : سبقني إلى الحسنيين : أسلم قبلي ، واستشهد قبلي ، ولما رثى متمم بن نويرة أخاه مالكا في شعره قال له : لو كنت أحسن الشعر لرثيت أخي مثل ما رثيت أخاك ، فقال متمم : لو مات أخي على ما مات عليه أخوك لما رثيته ، فقال عمر : ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به .